يتم التشغيل بواسطة Blogger.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسلاميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسلاميات. إظهار كافة الرسائل

سيدنا يوسف عليه السلام

Written By ewewrte on الثلاثاء، 28 أغسطس 2012 | 4:41 م

                                                                            
تُعدُّ قصة يوسف في القرآن الكريم نموذجاً من قصص المرسلين. فيها عبرة لمن يعقل، وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل. وقد وردت القصة في القرآن الكريم في سورة كاملة، وذُكر اسم يوسف عليه السلام في القرآن الكريم ستاً وعشرين مرة، منها أربعاً وعشرين في سورة يوسف

وكان نزول هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته من مكة إلى المدينة. قالالنسفي: "إن كفار مكة لقي بعضهم اليهود، وتباحثوا في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم اليهود: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بنإبراهيم خليل الله) رواه البخاري

حاصل القصة
كان لـ يوسف عليه السلام أحد عشر أخاً، وكان أبوه يحبه كثيراً. وذات ليلة رأى يوسف في منامه أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين. فقص على والده رؤياه، فنصحه بألا يقص الرؤيا على إخوته؛ مخافة أن يحسدوه. وسوس الشيطان لإخوته، فاتفقوا على أن يلقوه في بئر عميق. وادعوا أن الذئب أكله. وجده ناس من التجار، فأخذوه وباعوه بثمن بخس، واشتراه ملك مصر، وطلب من زوجته أن ترعاه. وكبر يوسف . أخذت امرأة العزيز تراوده عن نفسه، فأبى فكادت له، ودخل السجن. ثم أظهر الله براءته، وخرج من السجن بعد ذلك، واستعمله الملك على اقتصاد مصر، حيث أحسن إدارته في سنوات القحط. ثم اجتمع شمله مع إخوته ووالديه وتحققت رؤياه. 

تفاصيل القصة
كان يوسف يحظى بحب كبير من أبيه يعقوب، وقد لاحظ إخوته مكانة يوسف عند أبيه، فجعلت الغيرة تعتصر قلوبهم، والحسد يكشر عن أنيابه! تبدأ القصة بإخبار يوسف والده أنه رأى في المنام أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، فطلب يعقوب من ولده ألا يقص رؤياه على إخوته؛ إذ إن ذلك سيجعلهم يزدادون حسداً له، وحقداً عليه، وغيرة منه. بيد أن خبر الرؤيا وصل إلى هؤلاء الأخوة الحساد، فخلا بعضهم، وتناقشوا فيما بينهم فيما هم فاعلون، وأجمعوا أمرهم على أن يأخذوا يوسف ويلقوه في بئر عميق؛ ليطفئوا نار الغيرة التي تشتعل في صدروهم. 

وبعد أخذ ورد مع والدهم، وافق الوالد الحنون على إرسال يوسف مع إخوته لقضاء بعض الوقت في اللعب واللهو. وبالفعل خرج الإخوة بـ يوسف إلى مكان بعيد، وقد عقدوا العزم على تنفيذ خطتهم، ثم وصلوا إلى مكان فيه بئر عميق، فألقوا فيه أخاهم من غير شفقة ولا رحمة، ثم عادوا أدراجهم، وقد حملوا قميص يوسف معهم، ولوثوه ببعض الدماء؛ ليخفوا حقيقة ما جرى، ويدعوا أن ذئباً ضارياً شارداً هاجم أخاهم على حين غفلة منهم، فأكله! وما أن سمعيعقوب بالقصة حتى شعر أن ثمة أمراً قد دُبِّر، ولكن ماذا عساه أن يفعل، والأدلة بين يديه لا تقوى على إدانة مرتكب الجريمة. فسلَّم أمره إلى الله، طالباً منه الصبر على هذا المصاب الجلل. 

ثم ينتقل المشهد القرآني ليخبرنا عن يوسف وقد أصبح في أسفل البئر، وبينما هو على هذه الحالة، إذ بقافلة من قوافل التجار تمر من هنا، ثم تنزل قرب البئر قاصدة الاستراحة والتزود بالماء والطعام، وما إن يلقي بعض رجال القافلة حبل السقاية في البئر طلباً للماء، حتى يتبين لهم أن ثمة غلاماً في البئر، فيفرح بذلك فرحاً شديداً، ويخبر رفاقه بهذا البضاعة التي كسبها من غير تقدير ولا تدبير. ثم إن تجار القافلة يستقر رأيهم على بيع ما وجدوه، ومن ثم يعرضونه للبيع لبعض المارة، فيشتريه بثمن زهيد! ويبدو أن الذي اشتراه كان صاحب جاه ومنصب ومكانة، وكان قبل ذلك صاحب توفيق؛ إذ أن شراءه لهذا الغلام سوف يجلب له الخير في قابل الأيام. 

واستقر المُقَام بـ يوسف في بيت عزيز مصر، وفي هذا البيت الرفيع كانت لـ يوسف قصة، وأي قصة! تقول القصة: إن زوجة العزيز قد فُتنت بجمال يوسف، فطلبت منه -بعد مقدمات وممهدات- فعل الفاحشة معها! ويا لهول هذا الطلب! كان رد يوسف على طلبها بالرفض القاطع، وطلب الإعانة من الله للخلاص من هذه الفتنة التي حلت به من غير سابق إنذار. بيد أن المرأة المفتونة -وقد انسلخت من حيائها تماماً، وانساقت وراء شهوتها- أصرت علىيوسف أن يفعل الفاحشة معها، وفي تلك الأثناء -والحال بين شد وجذب، وطلب ورفض- إذا بالباب يُفتح، وخلفه العزيز، وإذا بالثلاثة وجهاً لوجه: يوسف يسعى ويركض نحو الباب للتخلص من براثن الفتنة، والزوجة لاهثة وراء قضاء شهوتها، والزوج يريد أن يعرف ماذا يجري داخل قصره!؟ 

ورغم هذا الموقف الحرج، فقد بادرت الزوجة بتوجيه التهمة إلى النزيل الجديد في القصر، وطلبت من زوجها أن يودع هذا النـزيل السجن، أو ينزل به اشد العقاب؛ جراء محاولته تدنيس عرض سيد القصر، وعزيز مصر- بزعمها ! وأمام هذا الاتهام الصريح من المرأة لـيوسف، مع أنها رأس هذه الفتنة، لم يجد يوسف بداً من الدفاع عن نفسه بالحق، وقد دافعت هي عن نفسها بالباطل.

ومن أجل أن يعرف العزيز حقيقة ما جرى، طلب من بعض أعوانه، أن يتبين من أي جهة تمزق قميص يوسف، وبعد التحري والتحقق تبين أن قميص يوسف قد تمزق من الخلف، ما يعني أنه كان بصدد الفرار من الفتنة، إلا أن الفتنة لاحقته، وأمسكت بقميصه ما أدى إلى تمزيقه، فكان هذا دليلاً كافياً على براءة يوسف من هذه الفتنة التي كيدت له. 

ثم إن امرأة العزيز تصبح هي وفعلتها حديث الطبقة العليا من نساء مجتمعها. وتسمع المرأة بما يدور على ألسنة النساء من هنا وهناك...إنه حديث يدور هامساً خافتاً...وإذن، فلتتدبر الأمر قبل أن يستفحل، ولتعمل بكل ما تملك من حول وطول لإطفاء نيران هذه الفتنة التي أخذ شررها يتطاير في كل مكان، وهي زوجة سيد مصر! 

وكان من تدبيرها وحيلتها، أن دعت النساء إلى حفلة ذات طعام وشراب، وقدمت لهن ما لذَّ وطاب، وكان من جملة ما قدمت لهن فاكهة تسر الناظرين، وقدمت مع كل طبق فاكهة سكيناً لقطعها على عادة كبراء القوم، وفي أثناء انشغال النسوة بتقطيع ما بين أيديهن من فاكهة، طلبت المرأة من يوسف الدخول على تلك النسوة، فما أن رأين يوسف حتى بهرن بجماله، ولم يشعرن إلا وهن يقطعن أصابعهن بالسكاكين ...وإذا بامرأة العزيز تبوح بمكنون صدرها ولواعج قلبها، وتهدد يوسف وتتوعده، بأنه إذا لم يفعل الفاحشة معها، فإن مصيره إلى السجن؛ ليذوق وبال صده، وينال عاقبة امتناعه، وليكون ذليلاً صاغراً. 

ولا يجد يوسف أمام هذا السلطان القاهر المتحدي إلا أن يفزع إلى ربه، متضرعاً إليه؛ أن يصرف عنه السوء الذي أحاط به، ويبعد عنه شبح الفتنة التي تحاصره من كل جانب. وقد استجاب الله دعاء يوسف، فصرف عنه كيد تلك المرأة ومن ناصرها من بنات قومها. ثم آل به إلى الأمر أن يدخل السجن، وليكون له فيه أيضاً قصة أخرى. 

دخل يوسف السجن -على ما فيه- مُؤْثِراً إياه على فعل ما لا يرضي الله سبحانه، وكان السجن هو الحصن الذي احتمى فيه يوسف من الفتنة ودواعيها، ثم كان فيه ما كان. كان هذا السجن -وكل محنة تحمل في طياتها منحة- هو الطريق الذي سلك بـ يوسف إلى المُلك، الذي أراد الله سبحانه أن يضعه بين يديه، وأن يجعله خاتمة لهذه الرحلة الشاقة على أشواك الابتلاء. 

يقيم يوسف في السجن مع رفاق سجنه، وسرعان ما يكسب حب رفقائه له، وينال ثقتهم؛ بما تجلى لهم من سمو أخلاقه، وعلو نفسه، وسداد رأيه، ونفاذ بصيرته. ثم ها هو ذا يصبح المرجع في تفسير الأحلام التي يراها أهل السجن -وما أكثر ما يرى السجناء من أحلام- وذات يوم يسأله شابان من رفاق السجن عن رؤيا رأياها...كان أحدهما قد رأى في المنام أنه يعصر عنباً، ليصنع منه خمراً، وأما الآخر فكان قد رأى أنه يحمل خبزاً فوق رأسه، والطير تأكل منه. فوجد يوسف من حسن ظنهما فيه مُنْطَلَقاً إلى أمر هو أعظم وأنفع لهما من تأويل رؤياهما، وهو دعوتهما إلى الله الواحد القهار. فبدأ يبين لهما وحدانية الله، وأنه سبحانه هو الإله الذي يستحق العبادة دون سواه من الآلهة، التي لا تملك من أمرها شيئاً.

وبعد أن أوصل يوسف رسالته الدعوية لهذين الشابين، أخذ في تأويل رؤيا كل واحد منهما، فأخبر الأول أنه سوف يسقي الخمر لسيده، وأخبر الثاني أنه سوف يصلب، والطير تأكل من رأسه. وأنهى تأويله لهما بقوله: إن كلا الأمرين قضاء من الله حاصل، لا مرد له ولا دافع. 

ثم أقبل يوسف على الشاب الذي توقع له النجاة، وطلب منه أن يلتمس له من سيده -عزيز مصر- فك أسره، وإطلاق سراحه. ثم يخرج الشاب من سجنه، وينشغل بأمور حياته، ويقابل سيده، ويقدم له الخمر، إلا أنه ينسى أن يبلغه رسالة يوسف التي حمَّله إياه إليه. 

وكان من أمر ملك مصر أن رأى رؤيا شغلت باله، وأقضت عليه مضجعه، ولم يجد بين صفوف حاشيته من يؤولها له. وبينما الحال كذلك، إذا بصاحب يوسف الذي نجا من السجن يتذكر يوسف، فينطلق إليه مسرعاً، ويسأل يوسف عن تأويل رؤيا الملك، ثم يعود إلى الملك كالسهم، ويلقي بين يديه تأويل ما رآه، ويقع ذلك التأويل من الملك موقعاً حسناً، وعندها يهتف الملك بمن حوله طالباً منهم إحضار يوسف؛ ليكون إلى جانبه مستشاراً، ومعاوناً له في إدارة شؤون مصر. 

بَيْد أن يوسف يأبى أن يستجيب لدعوة الملك، ولم تشغله فرحة الخروج من هذا القبر، الذي أطبق عليه تلك السنين الطويلة...عن أن يطلب التحقيق في أمر سجنه. ومن ثم يطلب من الملك أن يحقق في هذا الأمر؛ ليعيد له الاعتبار، ويُعْرَفُ صاحب الحق من الباطل. 

وها هن النسوة يمثلن في مجلس الملك؛ لكشف النقاب عن ملابسات اعتقال يوسف، ويسألهن الملك عن هذا الحدث الذي كان بينهن وبين زوجته...ولا يسع الزوجة إزاء هذا الموقف إلا الاعتراف بحقيقة ما جرى، ومن ثم تخبر زوجها أنها هي التي طلبت من يوسف فعل الفاحشة معها! وقابل طلبها بالرفض والامتناع. 

وتشتد رغبة الملك -وقد قامت الأدلة على براءة يوسف وعفته ومروءته- في لقاء يوسف، ويقع من نفسه موقعاً متمكناً؛ إذ رأى فيه الرجل الذي يجد عنده سداد الرأي، وصدق النصح، وحسن التدبير ما يقيم ملكه على دعائم قوية. وهكذا كان يوسف إلى جانب الملك يشرف له على موارد الدولة الاقتصادية، ويدبر له صادرها وواردها. 

مضى الزمان يطوي الليالي والأيام، و يوسف يدير اقتصاد مصر ويدبره، ووقعت مجاعة في أرض كنعان التي كان يعيش فيها يعقوب وأبناؤه. وكانت مصر بفضل تدبير يوسف قد أعدت لهذا الأمر عدته؛ فادخرت كثيراً مما زرعت وحصدت، وبهذا أصبحت مصر في تلك الأيام المجدبة محط رحال الوافدين إليها، يطلبون الزاد والغذاء. 

وقصد إخوة يوسف مصر طلباً للتزود بالطعام، وشاءت الأقدار أن يجتمعوا بأخيهم يوسف من غير أن يعرفوه، بيد أنهم أخبروه أنهم أولاد يعقوب. ومنذ اللحظة التي رأى فيها يوسف إخوته، أخذ يدبر أمراً بينه وبينهم. وها هم أولاء يطلبون منه التزود بالطعام، وها هو ذا يرفض تزويدهم بالطعام إلا بعد أن يأتوا بأخ لهم من أبيهم؛ ليكون ذلك دليلاً على صدقهم فيما قالوه من أنهم أبناء يعقوب

ويعود الأبناء إلى أبيهم، وما يكادون يلتقون به حتى يخبروه بأنهم منعوا من التزود بالطعام إلى أن يأتوا بأخ لهم..ولم يجد يعقوب بداً من التسليم بالأمر الواقع، فسمح لهم باصطحاب أخيهم معهم، وأخذ عليهم عهداً بأن يأتوه به، ولا يضيعوه كما ضيعوا أخاهم من قبل! وقبل أن تتجه القافلة تلقاء مصر ثانية، نصحهم أبوهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد، بل يدخلوها من عدة أبواب؛ مخافة أن يحسدهم الناس؛ إذ كانوا على درجة من الجمال. 

ويصل الركب ثانية إلى مصر، ويلتقي يوسف بأخيه، ويخلو به، ويضمه إليه، ويخبره أنه أخوه. وكان يوسف قد دبَّر حيلة لإبقاء أخيه إلى جانبه، فأمر بعض أعوانه أن يضع مكيال الطعام ضمن أمتعة أخيهم من غير أن يشعر أحد منهم بذلك، وسار الأمر وفق ما خُطط له، وقبل أن تنطلق القافلة برحلة العودة، إذا بمنادي الملك يخبر القافلة بأن مكيالاً قد سُرِق، وأنه لن يُسمح بالمغادرة للقافلة إلا بعد أن يتم تفتيش متاع القافلة، ومعرفة السارق. 

وبدأت عملية تفتيش الأمتعة، ثم استخراج المكيال المسروق من متاع الأخ، وما أن رأى إخوةيوسف استخراج المكيال من متاعه حتى أُسقط في أيديهم، ورجوا يوسف أن يأخذ أي واحد منهم، ويطلق سراح أخيهم؛ لأن أباه لا يتحمل فقده. وجاء الجواب بالرفض القاطع. 

وعاد الركب بالطعام وتركوا خلفهم أخاهم، وهم حائرون في أمرهم، كيف سيكون موقفهم من أبيهم؟ وماذا سيقولون له؟ وهل سيصدقهم هذه المرة ؟ 

علم يعقوب بما حدث، ولم يجد أمامه إلا الصبر على هذا المكروه، والاستسلام لأمر الله، والرجاء في رحمته وإحسانه. لقد نكأ هذا الجرح الجديد جرحاً قديماً، كان غائراً في أعماق نفسه بسبب فَقْدِه لـيوسف، وها هو اليوم يفيد ابنه الثاني. 

ويمضي يعقوب في موقفه هذا مع ربه، وشكاته إليه، والوقوف بباب فضله، غير يائس أبداً من فضله سبحانه، ثم يتوجه إلى بنيه طالباً منهم البحث عن يوسف وأخيه، وحاثاً إياهم على عدم اليأس من فضل الله ورحمته، فلم يسعِ الأبناء إلا الاستجابة لطلب أبيهم، فأعدوا العدة، ويمموا وجههم ثالثة إلى مصر للبحث عن يوسف وأخيه. 

وها هم الإخوة بين يدي يوسف، يرجونه ثانية أن يطلق سراح أخيهم...فيرى يوسف ما أصاب أهله من ضرٍّ، وما حلَّ بهم من ضيق، فيرق لحالهم، ثم يسألهم سؤال المعاتب: هل علمتم ما فعلتم بـ يوسف عندما كان صغيراً؟ فيتعجب الإخوة من هذا السؤال، ويستفسرون منه إن كان هو نفسه يوسف، فيأتي الجواب بالإيجاب. وهنا يشعر الإخوة بالندم على ما كان منهم، وأنهم كانوا على طريق ضال في الكيد الذي كادوه له. 

ويطوي يوسف سريعاً صفحة الماضي الأسود، ويغطي على كل آثارها بالصفح الجميل، وطلب المغفرة على ما كان منهم. ثم يطلب يوسف من إخوته أن يحملوا قميصه، ويلقوه على وجه أبيهم؛ كي يرتد إليه بصره. وينطلق الركب فرحين بما يحملونه من أخبار سارة يبثونها إلى أبيهم. وما أن يشارفوا على الوصول حتى يخبر يعقوب أنه يجد ريح يوسف ، ويدخل الأبناء على أبيهم، ويلقوا القميص على وجهه، فيعود إليه بصره بإذن الله. ثم يخبروه بما جرى بينهم وبين أخيهم يوسف، ويطلبون منهم المسير معهم إليه ليلتئم شمل الأسرة. 

ويصل يعقوب وأبناؤه إلى مصر، ويدخلون على يوسف، وما أن يرى يوسف أباه بعد هذا الفراق الطويل حتى يقبِّله، ويرفعه على المكان المخصص لجلوسه احتفاء به، ثم يتوجه مناجياً ربه، بالشكر والحمد له على ما أنعم عليه من نِعَم، وما أفاض عليه من عطاء، طالباً منه أن يتوفاه على دين الإسلام، وأن يلحقه بعباد الله الصالحين. 
4:41 م | 0 التعليقات | واصل القراءة

الشائعات وخطورتها


                             
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

فإن الشرع الحنيف أراد أن يحيا المجتمع المسلم حياة الأمن والتعاطف والمودة والرحمة حتى كأنهم جسد واحد، كما اخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد . إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ".

من أجل ذلك عمَّق الشرع في نفوس أتباعه أنهم إخوة " المسلم أخو المسلم ". ومنع الشرع كل من تسول له نفسه من كل فعل أو قول يقوض هذه الأخوة الإيمانية أو يحدث شرخا في العلاقات الاجتماعية أو فجوة بين أبناء هذا المجتمع.
ومن أخطر الأمور فتكا بالمجتمعات وأشدها ضررا تلك الشائعات التي يطلقها ويروج لها وينشرها مَن لا دين عنده ولا عهد ولا ميثاق، هؤلاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق الذين لم يستضيئوا بنور العلم.

وإذا أردت أن تتعرف على الأثر المدمر لهذه الشائعات فيكفي أن تعرف أن الدول اليوم تهتم بهذه الشائعات اهتماما عظيما حتى أن بعض أجهزة المخابرات بها شعب متخصصة في الشائعات اختراعا ورصدا وتحليلا، فربما تسببت شائعة في تغيير نظام حكم أو إحداث توترات داخل بعض الدول.

وإذا رجعت إلى الوراء فلك أن تتساءل: هل كان مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ ذي النورين ـ رضي الله عنه إلا بناء على شائعات أطلقها بعض المغرضين وتلقفتها آذان وردتها ألسنة أناس لا يتدبرون ما يسمعون؟

وهل كان ما حدث بعد ذلك من فتن كبرى ومعارك بين المؤمنين إلا على أثر الشائعات؟

بل انظر إلى المؤمنين الأوائل من أصحاب النبي الذين فروا بدينهم مهاجرين إلى الحبشة تاركين الأهل والأوطان والأموال فعاشوا في ظل عدل ملكها النجاشي، فلما بلغهم أن أهل مكة قد أسلموا رجعوا إلى مكة ولم يكن نبأ إسلام أهل مكة إلا شائعة فلما تأكدوا من كذبها هاجر بعضهم مرة ثانية إلى الحبشة لكن آخرين لم يتمكنوا من الهجرة فسامهم أهل مكة العذاب، وهل كان كل ذلك إلا بناء على شائعة؟.

حادثة الإفك وأثر الشائعات
هذه الحادثة التي بنيت على شائعة رددها المنافقون وتلقفها نفر من المسلمين فأرقت بيت النبوة شهرا كاملا وادت الفتن تثور بين المسلمين بسببها،

ولندع أم المؤمنين المبرأة من فوق سبع سماوات الصديقة بنت الصديق تذكر لنا ما جرى كما رواه عنها الإمام البخاري رحمه الله فتقول رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه . قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي ،
فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه . فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه .
وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي،
فبينا أنا جالسة في منزل غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك ،
وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول ، فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، ولا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول :
كيف تيكم ، ثم ينصرف ، فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعد ما نقهت ، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ، وهو متبرزنا ( مكان قضاء الحاجة )وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط ، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا .
فانطلقت أنا وأم مسطح – وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة – فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح . فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت أي هنتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت: قلت :
وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضا على مرضي . فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني سلم ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت أبوي ، فقلت لأمي : يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هوني عليك ، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها .

قالت: فقلت : سبحان الله ، أو لقد تحدث الناس بهذا ؟ قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله .
قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال : يا رسول الله ، أهلك ، وما نعلم إلا خيرا . وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك . قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ، فقال أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ، إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر :
"يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي "فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله وأنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك .
قالت : فقام سعد بن عبادة – وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية – فقال لسعد : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير – وهو ابن عم سعد بن معاذ – فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فتساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت .
قالت : فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . قالت فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم لا يرقأ لي دمع يظنان أن البكاء فالق كبدي . قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني قالت :
فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : "أما بعد ، يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه" .
قالت : فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال . قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت فقلت – وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن - :
إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم إني بريئة – والله يعلم أني بريئة – لا تصدقونني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر – والله يعلم أني منه بريئة – لتصدقني . والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف ، قال { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } قالت :
ثم تحولت فاضجعت على فراشي قالت وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرؤني الله بها . قالت :
فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ( من أثر الوحي)، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه . قالت : فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها :" يا عائشة ، أما الله عز وجل فقد برأك".
فقالت أمي : قومي إليه قالت فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله عز وجل . وأنزل الله { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم...} العشر الآيات كلها . فلما أنزل الله في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره :
والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } قال أبو بكر : بلى والله ، إني أحب أن يغفر الله لي .
فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبدا . قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال : يا زينب ، ماذا علمت أو رأيت ؟ فقالت : يا رسول الله ، أحمي سمعي وبصري ، ما علمت إلا خيرا . قالت – وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب لها ، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك ".

والقصة لا تحتاج إلى تعليق لكننا نُذَكِّر هؤلاء الذين يروجون الشائعات أنهم على خطر عظيم ومتوعدون بالعذاب الأليم الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإسراء والمعراج، فقد أتى في تلك الليلة على رجل مستلق لقفاه ، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد ، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ، ومنخره إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول ، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قلت :

سبحان الله ما هذان ؟ فأجابه الملك : وأما الرجل الذي أتيت عليه ، يشرشر شدقه إلى قفاه ، ومنخره إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته ، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.

أما الذين يستمعون إلى الشائعات ثم يرددونها ويحدثون بها فهم أولى الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ".
والنجاة أن يمسك العبد لسانه، وأن يمتنع عن الخوض فيما لا يعنيه، جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه ، والحمد لله رب العالمين.
 

4:39 م | 0 التعليقات | واصل القراءة

مسلمين دوله سري لانكا


                                                               
دولة سري لانكا إحدى الدول الآسيوية ولها صلة تاريخية قديمة وحديثة مع البلاد العربية والإسلامية. وتقع جزيرة سري لانكا في جنوب بلاد الهند ويفصل بينهما (مضيق لول) الذي لا يزيد اتساعه عن 20 ميلاً، وتبلغ مساحتها 64454 كيلو مترا مربعا والعاصمة تسمى (كولومبو) .
أصل السكان
يبلغ عدد السكان في جزيرة سري لانكا نحو 19 مليون نسمة، وأما عدد المسلمين منهم نحو مليوني مسلم.
وينقسم سكان جزيرة سري لانكا من حيث الأصل إلى عنصرين كبيرين، فالعنصر الأول هم جماعة (التاميل) الذين يرجع أصلهم إلى العنصر الدرافيدي وقد هاجروا من شمال الهند الى سري لانكا منذ زمن بعيد وسكنوا النصف الشمالي من الجزيرة، ويجمع التاميل بين حضارة الهند القديمة وحضارة الغرب الحديثة، فمن آثارهم المعابد الكبيرة والتاميل يمتازون بالتفوق في التجارة، وكذلك يشتغلون بالإدارة والصناعة والمهن المختلفة.
والعنصر الثاني، هم جماعة (السنهاليين) ويرجع أصل معظمهم إلى العنصر الملاوي الجاوي ويسكنون في النصف الجنوبي من الجزيرة ويشتغلون بأعمال مختلفة.
وهناك جماعة ثالثة وهم (الهنود المهاجرين) إلى سري لانكا في الأزمان القريبة ويمتازون بنشاطهم الكبير في التجارة والصناعة، وقد نقل هؤلاء معهم إلى الجزيرة بعض عقائدهم الهندوسية والبوذية.
ثم هناك جماعة رابعة، وهم من (المسلمين) ويرجع أصل معظمهم إلى العرب وبعضهم إلى الملاويين الجاويين والفرس والهنود.
وصول الإسلام إلى سريلانكا
إن تاريخ دخول الإسلام إلى جزيرة سيلان أي (سري لانكا) غير واضح في التاريخ، وعلى العموم تعتبر سري لانكا من البلاد الواقعة بالقرب من بلاد الهند والسند التي بدأ فيها انتشار الإسلام منذ القرن الأول للهجرة وكانت لها علاقات مختلفة معها، وفي الغالب كانت تقيم بعض الجاليات العربية في جزيرة سري لانكا في تلك الفترة المبكرة حسب ما تشير إليه بعض المراجع العربية مثل تاريخ فتوح البلدان للبلاذري وتاريخ اليعقوبي والكامل لابن الأثير، بسبب قيام بعض العرب بالتجارة في شبه القارة الهندية وفي جزيرة سيلان التي كانت تسمى عند بعض العرب (بجزيرة الياقوت).
ويعيش معظم المسلمين في المنطقة الشرقية من جزيرة سري لانكا وبعضهم يعيشون في منطقة الحصن القديم (كالي) ويشتغلون بالتجارة والزراعة.
وأغلبية هؤلاء المسلمين في سري لانكا من أصل عربي وهم من بقايا الجاليات العربية التي سكنت تلك البلاد في القرن الأول للهجرة، ومن البحارة التجار العرب الذين وصلت سفنهم التجارية قبل أكثر من ألف سنة قادمة من بعض البلاد العربية، كما أن بعضهم من البحارة التجار الفرس والجاويين والهنود الذين قدموا من بلاد فارس وجاوة والهند إلى سيلان، بقصد التجارة بالذهب والمجوهرات والعاج والقرفة وطير الطاووس وغير ذلك.
وقد أقيم الملتقى الإسلامي الأول لدول آسيا في مدينة (كولمبو) في سريلانكا في شهر ربيع الأول من عام 1414هـ تحت عنوان "المسلمون في آسيا والتحديات الحضارية" وقام رئيس جمهورية سريلانكا بافتتاح الملتقى وحضره العلماء والمفكرون من عشرين دولة من دول العالم بينهم معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية آنذاك والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي حالياً.
وكان الهدف من ذلك الملتقى هو دراسة أوضاع المسلمين في دول آسيا من النواحي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ومواجهة التحديات الحضارية ووضع الحلول المناسبة لها، وكذلك إيجاد كيان قاري جامع لمسلمي آسيا وإيجاد الطرق للتعاون بين الجمعيات والهيئات والمنظمات.
المساجد
ويوجد في سريلانكا مساجد كثيرة وبعضها مساجد بديعة البناء ورائعة التنسيق ولعل (مسجد بيرولا) أروعها وأبدعها على الإطلاق، وأيضاً (جامع كولمبو) الكبير الذي يقع وسط حدائق القرفة والأزهار الجميلة، وهناك مساجد أخرى صغيرة حسب مواقع المسلمين في سري لانكا.
وكذلك توجد بعض جمعيات إسلامية أهمها (رابطة مسلمي سري لانكا) و(الرابطة الملاوية) وهما تتبعان منذ عام 1946م للحزب الوطني الموحد في جزيرة سري لانكا، وتشرف هذه الجمعيات الإسلامية على تدريس العلوم الإسلامية لأبناء المسلمين في مدارس خاصة بالرغم من ظروفها الاقتصادية الصعبة، وتقوم أيضاً بتوضيح تعاليم الإسلام السمحة لكل من يريد معرفتها حتى ينتشر الإسلام شيئاً فشيئاً بين جميع السكان في تلك البلاد.

4:33 م | 0 التعليقات | واصل القراءة

احوال مسلمي بورما

                                                                           
كانت بورما منذ سيطرتها على أراكان المسلمة عام ( 1198هـ 1784م)، تُحاول القضاء على المسلمين، ولكنّها فقدت سلطتها بيد الاستعمار البريطاني (1239هـ 1824م). وبعد مرور أكثر من مائة سنة تحت سيطرة الاستعمار نالت بورما الحكم الذاتي عام (1356هـ 1938م). فأوّل أمر قامت به بورما هو قتل وتشريد المسلمين بشكل عام في جميع مناطق بورما حتى في العاصمة رانغون، حيث استشهد عدد كبير، واضطرّ أكثر من (500.000) خمسمائة ألف مسلم إلى مغادرة بورما.

وفي العام ( 1361هـ 1942م) قام البوذيون المشاغبون بمساعدة السلطة الداخلية بالقتل والدمار الشامل على المسلمين في جنوب أراكان، حيث استشهد حوالي مائة ألف مسلم، ومنذ أن حصلت بورما استقلالها من بريطانيا عام (1367هـ 1948م) كانت أوّل خُطّتها هي "برمنة " جميع الشعوب والأقليّات التي تعيش في بورما، وفعلاً نجحت في تطبيق خُطّتها في خلال عدّة سنوات، لكنّها فشلت تماماً في حقّ المسلمين لكونهم مستمدين مباشرة من المنبع الصافي للهداية الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلّم: "تـركتُ فيكم أمرين لن تضلّوا بعدي ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنّة رسوله". فلا يوجد أيّ واحد من المسلمين ارتدّ عن الإسلام واعتنق الديانة "البوذية " أو أيّ دين آخر.

فلمّا أحسّت بورما بهذه الحقيقة وشعرت جيداً غيّرت موقفها وخطّتها إلى القضاء على المسلمين واقتلاع جذور الإسلام عن أرض بورما، وذلك بقتل ونهب وتشريد ومسخ هويّتهم وطَمْس شعائرهم وتراثهم وتغيير معالمهم وثقافتهم ودسّ السموم في نفوسهم وما إلى ذلك من الأساليب والبرامج للظلم والعدوان.

ومنذ أن استولى الجيش على مقاليد الحكم ( 1398هـ 1978م) شرّدت بورما أكثر من (300.000) ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنغلاديش. وفي عام (1402هـ - 1982م)، ألغت جنسية المسلمين بدعوى أنّهم متوطّنون في بورما بعد عام (1239هـ 1824م عام دخول الاستعمار البريطاني إلى بورما) رغم أنّ الواقع يُكذّب ذلك.

وفي عام (1411-1412هـ 1991-1992م) شرّدت بورما حوالي ثلاثمائة ألف (000،300) مسلم إلى بنغلاديش مرة أخرى.
وهكذا كان نُزوح المسلمين إلى بنغلاديش ومنها إلى بلاد أخرى مستمرّ كلّ يوم، لأنّ الحكومة خلقت جوّ الهجرة، فالوضع الذي يعيشه مسلمو أراكان مأساوي جدّاً، فهم محرومون من أبسط الحقوق الإنسانية، وهناك مئات الآلاف من الأطفال تمشي في ثياب بالية ووجوه شاحبة، وأقدام حافية، وعيون حائرة لما رأوا من مظالم واعتداءات البوذيين ،تثقل الأجواء بصرخات الثكالى والأرامل الّلائي يبكين بدماء العفّة، يُخْطف رجالهنّ ويُعلّقون على جذوع الأشجار بالمسامير حيث تُقْطع أُنوفهم ويُفْعل بهم الأفاعيل، وعشرات المساجد والمدارس تُمّرُ بأيدٍ نَجسةٍ مُدنّسة.

وفي الآونة الأخيرة تُكثّف برامج تحديد النسل فيما بين المسلمين، حيث أصدرت قرارات ينصّ على أنّ "المرأة المسلمة لا يُمكن زواجها إلا بعد أن تبلغ 25 سنة من عمرها، بينما لا يُسمح للرجل بالزواج إلا بعد مرور 30 سنة من عمره، ولا يُمكن الزواج إلا بعد الحصول على التصريح المكتوب من إدارة قوّات الأمن الحدودية " ناساكا " والذي لا يُعطي إلا إذا توافرت الشروط وهي :
تقديم الطلب مع الصّورة الفوتوغرافية لكلّ من العريس والعروس إلى " ناساكا" للفحص والتأكّد على عمرهما، وأنّهما هل راضيان ومـؤهلان للزواج أم لا؟ وعلى الرغم من الانتهاء من جميع هذه الإجراءات فإنّ " ناساكا " لا تسمح بالزواج إلا بعد تقديم الرشوة بمبلغ كبير يرضيها، والذي لا يَقْدر الجميع على تسديده، كما أنّها لا تسمح في سنة كاملة لأكثر من عشرين أسرة بالزواج في القرية التي تتكوّن من ألفي أسرة على أقلّ التقدير، فإذا خالف أحد هذا القرار المرير فعقوبته تفكيك الزواج والاعتقال لمدّة ستّة أشهر وغرامة (50.000) "كيات" بورمي.

ومنها: قرار يَهزّ مشاعر المسلمين وانطباعاتهم، ويُهدّد كيانهم ووجودهم؛ والذي لا يوجد له نظير في تاريخ الإنسانية، فهذا القرار الشنيع ينصّ على إحضار المرأة المسلمة الحامل إلى قاعدة إدارة قوّات الأمن الحدودية " ناساكا " لأخذ صورتها الملوّنة كاشفة بطنها بعد مرور كلّ شهر حتّى تضع حملها، وفي كلّ مرّة لا بدّ من دفع الرسوم بمبلغ كبير، وذلك للتأكّد ـ كما تقول السلطة ـ على سلامة الجنين، ولتسهيل إحصائية المولود بعد الولادة، ولكنّ لسان الواقع يُلحّ بأنّ الهدف من إصدار هذا القرار المرير هو الاستهتار بمشاعر المسلمين، وتأكيدهم على أنّه ليس لهم أيّ حقّ للعيش في أراكان بأمن وسلام.

وعلى الصّعيد السُكّاني فإنّ الحكومة ما زالت تقوم بإحداث تغيرات ملموسة في التركيبة الديموغرافية لمناطق المسلمين، فلا توجد أيّة قرية أو منطقة إلا وفيها منازل البوذيين المستوطنين، وتكون السلطة حتّى في القرية بأيدي البوذيين، ومنذ عام ( 1418هـ 1988م ) قامت الحكومة بإنشاء ما يُسمّى بالقرى النموذجيّة في شمال أراكان من بورما حتى يتسنّى تشجيع أُسر الريكهاين البوذيين على الاستقرار في هذه المناطق، ومن ناحية استيطان البوذيين الذين ينتقلون من أماكن مختلفة حتى من بنغلاديش إلى هذه القرى النموذجية، وتُمنح لهم الأراضي وبيوت جاهزة والتي شُيّدت بأيد المسلمين بغير أجر، فمصادرة الأراضي من المسلمين ومنحها إلى الريكهاين البوذيين بهذه الطريقة خلق توتّراً شديداً فيما بين المسلمين.

وفي ظلّ أجواء من عدم الاستقرار الأمني والديني والاجتماعي للمسلمين في بورما بيد السلطة البوذية العسكرية التي تتخذ وتّطبّق قرارات وخطوات شنيعة ومفجعة هدف إلى القضاء على مشاعر المسلمين وطَمْس شعائرهم ومسخ ثقافتهم وتراثهم، فإنّ السلطة تقدّمت على إصدار قرار يمسّ مشاعر المسلمين وهو : حظر تأسيس مسجد جديد، وعدم إصلاح وترميم المساجد القديمة، وتدمير المساجد التي تمّ بناؤها أو إصلاحها في خلال عشر سنوات المنصرمة في إقليم أراكان، وبموجب هذا القرار فإنّ السلطة هدمت إلى الآن أكثر من 72 مسجداً.

وجدير بالذكر أنّ في بورما يوجد أكثر من (2566) مسجداً، كما يوجد أكثر من (1095) مدرسة وجامعة إسلامية، ومنها في أراكان (1538) مسجداً، و(405) مدرسة وجامعة إسلامية، وقد قام المشاغبون البوذيون في مدينة أكياب بإحراق وتدمير قرى المسلمين، وقتل وتشريد سكّانها بطريق شامل حيث راح ضحيّتها حوالي خمسمائة شهيد وأكثر من ألفي جريح.

وكذلك قام المشاغبون البوذيون بشنّ الهجوم على المسلمين في مدينة تونجو على مقربة من عاصمة رانغون، بإثارة وتعاون السلطة العسكرية، ممّا أدّى إلى استشهاد عشرات من المسلمين، ودمّرت أربعة مساجد.
وفي الآونة الأخيرة أصدرت السلطة قراراً بأنّ العاملين والموظفين في الحكومة لا يُسْمح لهم بإطلاق لحاهم وارتداء الزّي الإسلامي في الدوائر الرسمية وكلّ من لا يمتثل لهذا الأمر يُفْصل من الوظيفة، وفعلاً تمّ العمل بهذا القرار، وأُعفي المسلمون من الوظيفة لاقترافهم جريمة عدم الامتثال لأمر السلطة بحلق الّلحى وعدم ارتداء الزّي الإسلامي.

إنّ قضيّة مسلمي بورما تُشكّل محنة كبيرة، وهي كارثة إنسانية بكاملها، وجريمة عظيمة في حقّ المجتمع الدولي وضدّ القانون الدولي، وإنّ إبادة جنس بشري أو فئة معيّنة داخل بورما لا يُعتبر شأناً داخليّاً يخصّ بورما وحدها ؛ بل هو يستدعي اهتمام وعناية الجميع في العالم، لأنّه يتعلّق بحقوق الإنسان التي لحمايتها أعلنت هيئة الأمم المتحدة وثيقة دولية قبل نصف قرن من الزمان.

فهؤلاء المستضعفون في بورما من الرجال والنساء والولدان يَصْرخون ويستنصرون بالأمّة الإسلامية حكومات وشعوباً، الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلّم : "مثل المسلمين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى"، ويُناشدون المسلمين في العالم أن يقفوا بجانب مسلمي بورما، وأن يقوموا بأخذ الإجراءات الّلازمة لوقف العمليّات العُدوانية التي تمارسها بورما ضدّ مسلمي بورما. وأنْ يُمارسوا كافّة الأساليب السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لحماية مسلمي بورما من بطش السلطة العسكرية البوذية.
4:31 م | 0 التعليقات | واصل القراءة

مثل قارئ القرأن


                                                                 
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلا رِيحَ لَهَا) رواه البخاري.
غريب الحديث
الأُترجَّة: فاكهة شبيهة بالبرتقال أو التفاح في طعمها ورائحتها، ولها كثير من الفوائد.

الحنظلة: الحنظل نبات يمتد على الأرض كالبطيخ، وثمره يشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جداً، ويضرب المثل بمرارته.
شرح الحديث
لما كان فضل القرآن عظيماً عملاً بأحكامه، وتدبراً لآياته، كان الناس أمام هذه السوق الأخروية أربعة أصناف: مؤمن قارئ عامل، ومؤمن عامل غير قارئ، وفاجر قارئ، وفاجرغير قارئ.
وهذا الحديث الذي نحن بصدده يشبّه كل صنف من هذه الأصناف الأربعة بنوع من النبات؛ تقريباً للأذهان وتوضيحاً للمعاني.
الصنف الأول: بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله: (مثل الذي يقرأ..) بالفعل المضارع لإفادة تكريره ومداومته عليها، حتى صار ذلك دأبه وعادته، فالمؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل بما جاء فيه، مثله مثل الأترجة، الفاكهة النضرة الجميلة الناعمة، الصفراء اللون التي تسر الناظرين، ذات الرائحة الطيبة، والطعم اللذيذ، وذات الفوائد الكثيرة للبدن، فهي حسنة ظاهرا وباطنا، نافعة لمن يتناولها ولمن يقرب منها فيراها أو يشمها، وكذلك قارىء القرآن العامل به، حسن الظاهر والباطن، نافع نفسه ونافع من يسمعه أو يراه.
الصنف الثاني: المؤمن الذي يعمل بما جاء به القرآن، ولكنه لا يداوم على قراءته، فمثله مثل التمرة، حلوة في حقيقة طعمها، نافعة لآكلها، لكنها لا تنفع من بجوارها؛ لأنها لا رائحة لها، ولا متعة في منظرها.
الصنف الثالث: الفاجر أو المنافق الذي يقرأ القرآن، فإنه خبيث الباطن حسن الظاهر، خبيث الباطن لتعطل باطنه عن الإيمان، حسن الظاهر لاستراحة الناس بقراءته، فهو مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرّ، فريحها الطيب أشبه قراءته، وطعمها المرّ أشبه كفره.
الصنف الرابع: الفاجر أو المنافق الذي لا يقرأ القرآن، فإنه خبيث الباطن قبيح الظاهر، مثله مثل الحنظلة، لا تعجب متناولها، ولا يتمتع بها من يجاورها، لأن طعمها مر أو خبيث، وريحها قبيح.
وقفات مع المثل
المقصود من التمثيل في هذا الحديث الشريف أن كلام الله تعالى له تأثير في باطن العبد وظاهره، وأن العباد متفاوتون في ذلك:
فمنهم من حاز على النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارئ.

ومنهم من لا حظ له نهائيًا وهو المنافق الفاجر.

ومنهم من تأثر باطنه دون ظاهره، وهو المؤمن الذي لم يقرأ كلام الله تعالى.

ومنهم المنافق الذي يرائي بقراءة القرآن.
ويرجع سر التمثيل بالأترجة للمؤمن كونها أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان، أي التي يقصد بها الريح من الفواكه، لا مطلقاً، وإلا فالعنب أفضل، علاوة على حسن منظرها، وكبر جرمها، وطيب طعمها، ولين ملمسها، وأخذها الأبصار صبغة ولوناً؛ إذ هي صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، ويستفيد المتناول لها بعد الالتذاذ بها طيب النكهة ودباغ المعدة وقوة الهضم، فاشتركت الحواس الأربع في الاحتفاظ بها: الشمّ والبصر والذوق واللمس.
وأما سبب التمثيل بالتمرة للمؤمن غير القارئ؛ لأن التمرة تراها من بعيد فلا تشم لها رائحة، فلا نفع في أن تراها من بعيد، لكن نفعها في أن تأكلها، فإذا أكلتها وجدت فائدتها، فكذلك الإنسان المؤمن الذي لا يقرأ القرآن.
وأما الريحانة فإنها تشبه المنافق، تشم رائحتها الجميلة من بعيد، ولكن عندما تتذوقها تجد طعمها مرًّا، وكذلك المنافق الفاجر، فإنك قد تنتفع من المنافق الذي يقرأ القرآن بشيء، فلعله يقرأ القرآن بصوت جميل، فيعجبك صوته أو يؤثر فيك كلام الله جل وعلا بسبب تلاوته له، ولعلك تسأله عن أماكن الآيات فيجيبك، ولكنه لا يعمل بشيء مما ورد في القرآن، فيستبيح لنفسه أن يكذب وينافق ويرائي ويخادع ويخون، ولا يراقب الله جل وعلا في تصرفاته.
وأما الحنظلة فإنها تشبه المنافق الفاجر الذي لا يقرأ القرآن؛ لأن رائحتها كريهة وطعمها مُرّ، فاتفق معها في مرارة الطعم وعدم وجود الرائحة، لفساد مخبره ومظهره.
ومن لطيف ما يُذكر في هذا المثل أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب هذا المثل بما تنبته الأرض ويخرجه الشجر، للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس؛ لذلك خص ما يخرجه الشجر من الأترجة والتمر بالمؤمن، وبما تنبته الأرض من الحنظلة والريحانة بالمنافق الفاجر؛ وذلك لبيان علوّ شأن المؤمن وارتفاع علمه وديمومة ذلك، وأن المنافق وضيع الشأن محبط العمل قليلٌ جدواه؛ إذ الشجر أثبت من نباتات الأرض في البقاء، وأكثر منها علوًا، رزقنا الله وإياكم الإيمان، والعمل بالقرآن، وبالله التوفيق.

4:29 م | 0 التعليقات | واصل القراءة

المعتزله والتعريف بهم


                                                                              
تعريفهم : المعتزلة فرقة إسلامية تنتسب إلى واصل بن عطاء الغزال، تميزت بتقديم العقل على النقل، وبالأصول الخمسة التي تعتبر قاسما مشتركا بين جميع فرقها، من أسمائها القدرية والوعيدية والعدلية، سموا معتزلة لاعتزال مؤسسها مجلس الحسن البصري بعد خلافه معه حول حكم الفاسق .
مؤسسها :
واصل بن عطاء الغزال: قال الإمام الذهبي في ترجمته في السير :" البليغ الأفوه أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري الغزال .. مولده سنة ثمانين بالمدينة، .. طرده الحسن عن مجلسه لما قال الفاسق لا مؤمن ولا كافر فانضم إليه عمرو واعتزلا حلقة الحسن فسموا المعتزلة "
عمرو بن عبيد: قال الذهبي في ترجمته في السير : " عمرو بن عبيد الزاهد العابد القدري كبير المعتزلة .. قال ابن المبارك دعا - أي عمرو بن عبيد - إلى القدر فتركوه، وقال معاذ بن معاذ سمعت عمروا يقول إن كانت { تبت يدا أبي لهب } في اللوح المحفوظ فما لله على ابن آدم حجة، وسمعته ذكر حديث الصادق المصدوق، فقال : لو سمعت الأعمش يقوله لكذبته، إلى أن قال ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرددته .. مات بطريق مكة سنة ثلاث وقيل سنة أربع وأربعين ومائة "
العقائد والأفكار :
بدأت المعتزلة بفكرة أو بعقيدة واحدة، ثم تطور خلافها فيما بعد، ولم يقف عند حدود تلك المسألة، بل تجاوزها ليشكل منظومة من العقائد والأفكار، والتي في مقدمتها الأصول الخمسة الشهيرة التي لا يعد معتزليا من لم يقل بها، وسوف نعرض لتلك الأصول ولبعض العقائد غيرها، ونبتدئ بذكر الأصول الخمسة:
1- التوحيد: ويعنون به إثبات وحدانيته سبحانه ونفي المثل عنه، وأدرجوا تحته نفي صفات الله سبحانه، فهم لا يصفون الله إلا بالسلوب، فيقولون عن الله : لا جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا بذي حرارة ولا برودة .. إلخ، أما الصفات الثبوتية كالعلم والقدرة فينفونها عن الله سبحانه تحت حجة أن في إثباتها إثبات لقدمها، وإثبات قدمها إثبات لقديم غير الله، قالوا : ولو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الألوهية، فكان التوحيد عندهم مقتضيا نفي الصفات.
2- العدل: ويعنون به قياس أحكام الله سبحانه على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناء على ذلك نفوا أمورا وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقا لأفعال عباده، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم إن خيرا وإن شرا، قال أبو محمد ابن حزم: " قالت المعتزلة: بأسرها حاشا ضرار بن عبد الله الغطفاني الكوفي ومن وافقه كحفص الفرد وكلثوم وأصحابه إن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكونهم في أقوالهم وأفعالهم وعقودهم لم يخلقها الله عز وجل ". وأوجبوا على الخالق سبحانه فعل الأصلح لعباده، قال الشهرستاني:" اتفقوا - أي المعتزلة - على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط عدلا "، وقالوا أيضا بأن العقل مستقل بالتحسين والتقبيح، فما حسنه العقل كان حسنا، وما قبحه كان قبيحا، وأوجبوا الثواب على فعل ما استحسنه العقل، والعقاب على فعل ما استقبحه.
3- المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، وهي المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري، إذ يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافرا بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرا على فسقه كان من المخلدين في عذاب جهنم.
4- الوعد والوعيد: والمقصود به إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم، قال الشهرستاني:" واتفقوا - أي المعتزلة - على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض .. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعدا ووعيدا " 
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا الأصل يوضح موقف المعتزلة من أصحاب الكبائر سواء أكانوا حكاما أم محكومين، قال الإمام الأشعري في المقالات :" وأجمعت  المعتزلة إلا الأصم على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك" فهم يرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك وغلبة الظن بحصول الغلبة وإزالة المنكر .
هذه هي أصول المعتزلة الخمسة التي اتفقوا عليها، وهناك عقائد أخرى للمعتزلة منها ما هو محل اتفاق بينهم، ومنها ما اختلفوا فيه، فمن تلك العقائد :
6- نفيهم رؤية الله عز وجل: حيث أجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله سبحانه وهو منزه عن الجهة والمكان، وتأولوا قوله تعالى :{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } أي منتظرة .
7- قولهم بأن القرآن مخلوق: وقالوا إن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.
8- نفيهم علو الله سبحانه، وتأولوا الاستواء في قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى} بالاستيلاء .
9- نفيهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته . قال الإمام الأشعري في المقالات : " واختلفوا في شفاعة رسول الله هل هي لأهل الكبائر فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله "
10- نفيهم كرامات الأولياء، قالوا لو ثبتت كرامات الأولياء لاشتبه الولي بالنبي .
فرق المعتزلة
  عادةً ما تبدأ الفرق في عددها وأفكارها صغيرة ثم ما تلبث أن تتشعب وتتفرق، فتصبح الفرقة فرقاً والشيعة شيعاً، وهكذا كان الحال مع المعتزلة فقد بدأت فرقة واحدة ذات مسائل محدودة، ثم ما لبثت أن زادت فرقها، وتكاثرت أقوالها وتشعبت، حتى غدت فرقا وأحزابا متعددة، ونحاول في هذا المبحث أن نذكر بعضا من تلك الفرق، ونقدم موجزاً تعريفياً بها وبمؤسسها، مع ذكر بعض أقوالها التي شذت بها عن أصحابها المعتزلة، فمن فرق المعتزلة:
1- الواصلية: وهم أصحاب أبى حذيفة واصل بن عطاء الغزال، كان تلميذا للحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار، ثم فارقه بسبب خلافه معه في مسألة مرتكب الكبيرة، وقول واصل فيه بأنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين .
2- الهذيلية: وهم أصحاب أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاّف شيخ العتزلة ومقدمهم، أخذ الإعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء، من مفردات قوله: أن حركات أهل الجنة والنار تنقطع وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.
3- النظامية: أتباع إبراهيم بن يسار بن هانئ النظّام كان قد خلط كلام الفلاسفة بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل منها قوله: أن الباري سبحانه لا يوصف بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة، ولا أن يخرج أحدا من أهل الجنة، وليس ذلك مقدورا له، وقد ألزم بأن يكون البارى تعالى مجبورا على ما يفعله تعالى الله .
4- الخابطية والحدثية: أصحاب أحمد بن خابط وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي، كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة، ومن مفردات أقوالهما القول - موافقة للنصارى- بأن المسيح عليه السلام يحاسب الخلق في الآخرة . وكذلك قولهم: أن الرؤية التي جاءت في الأحاديث، كقوله صلى الله عليه وسلم: ( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فى رؤيته ) متفق عليه، هي رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع وهو العقل الفعّال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، فهو الذي يظهر يوم القيامة وترفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه فيرونه كمثل القمر ليلة البدر فأما واهب العقل "الله" فلا يُرى.
5- البشرية: أصحاب بشر بن المعتمر كان من علماء المعتزلة ، قال الذهبي: " وكان .. ذكيا فطنا لم يؤت الهدى، وطال عمره فما ارعوى، وكان يقع في أبي الهذيل العلاف وينسبه إلى النفاق " من أقواله :" أن الله تعالى قادر على تعذيب الأطفال وإذا فعل ذلك فهو ظالم " .
6- المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار، ويسمى راهب المعتزلة، من مفردات أقواله : أن الله تعالى يقدر على أن يكذب و يظلم ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما تعالى الله، وقال إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة، وكان مبالغا في القول بخلق القرآن وتكفير من خالفه، وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعاً فكفّرهم، فأقبل عليه إبراهيم، وقال الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك، فخزي ولم يحر جوابا.
7- الثمامية: أصحاب ثمامة بن أشرس النميري كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس، انفرد عن أصحابه المعتزلة بمسائل منها قوله: في الكفار والمشركين والمجوس واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية أنهم يصيرون في القيامة ترابا، وكذلك قال : في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين .
8- الهشامية: أصحاب هشام بن عمرو الفوطي كان مبالغا في نفي القدر، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالى وإن ورد بها التنزيل، منها قوله: أن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم المؤتلفون باختيارهم، وقد ورد في التنزيل  { ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } ، ومنها قوله : أن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين ولا يزينه في قلوبهم، وقد قال تعالى : { وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } ومن أقواله: أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، وقال كذلك : أن النبوة جزاء على عمل وأنها باقية ما بقيت الدنيا.
فهذه هي المعتزلة نشأة وأقوالا ورجالا وعقائد، عرضناها مختصرة بغية تعريف القارئ بحال تلك الفرقة التي أوجدت جدلا شديدا في مراحل كثيرة من التاريخ الإسلامي ، ووضعت الشرع المطهر في مخاصمة مفتعلة مع العقل، فكان أثرها على الشرع سيئاً إذ قللت من هيبته، وأثرها على العقل أسوأ إذ وضعته في مكان لا يرتقي إليه .
وقفة مع المعتزلة
ربما ظن البعض أن المعتزلة قد ذهبت من غير ر جعة، وأن أفكارهم الجريئة لم يعد لها وجود، وأن التوازن قد عاد لجدلية العقل والنقل، إلا أن هذا الظن خاطيء، فالمذهب المعتزلي ما زال موجودا حيا في الصدور ومكتوبا في السطور، وما زالت فرق عديدة تتبناه، وإن اختلفت مسمياتها، فضلا عن انتصار كثير من الحداثيين لمنهج الاعتزال في تقديم العقل على النقل وجعله حاكما على نصوص الشريعة، فالاعتزال قائم مبثوث في العقائد والأفكار ولكن الذي ذهب هو حدته وصولته بعد زوال دولته، وتعرضه لعملية نقد متواصلة على أيدي أئمة السنة، فغدا هامدا يظنه الناس ميتا وليس بميت، ونحاول في خاتمة عرضنا لعقيدة المعتزلة أن نقف وقفة مع هذا المنهج نبين فيه أمرا غاية في الأهمية هذا الأمر هو مخالفة منهج المعتزلة لمنهج السلف، ومباينة عقائد الاعتزال لعقائد الصحابة الكرام، ولنروي في هذا الإطار المناظرة الشهيرة التي قصمت ظهر المعتزلة، والتي جرت بين شيخ من شيوخ السنة وشيخ المعتزلة أحمد بن أبي دؤاد، فقد جيء بشيخٍ سني كبير موثقا بحديده ، حتى أوقفوه في حضرة الخليفة الواثق، فطلب منه الخليفة مناظرة أحمد بن أبي دؤاد فوافق، بعد أن طعن في قدرة أحمد بن أبي دؤاد على المناظرة، وابتدأ السؤال قائلا : مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها، من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين، فلا يكون الدين تامًّا إَّلا بالقول بها ؟ قال أحمد بن أبي دؤاد : نعم .
فقال الشيخ : فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم ؟ قال أحمد : لا . قال له: يعلمها أم لم يعلمها ؟قال : عَلِمَهَا .قال: فلم دعوت إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، وتركهم منه ؟ فأمسك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة. ثم قال له: أخبرني يا أحمد، قال الله في كتابه العزيز:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديِنَكُمْ }( المائدة :3)، فقلت أنت : الدين لا يكون تاماًّ إلا بمقالتك بخلق القرآن، فالله تعالى – عز وجل – صدق في تمامه وكماله ، أم أنت في نقصانك ؟! فأمسك .
فقال الشيخ يا أمير المؤمنين ، هذه ثانية .ثم قال بعد ساعة : أخبرني يا أحمد ، قال الله عز وجل:{ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ }( المائدة :67) فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها، فيما بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا ؟ فأمسك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هذه الثالثة. ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد، لمّا عَلِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك التي دعوت الناس إليها، أَتَّسع له أن أمسك عنها أم لا ؟ قال أحمد : بل اتَّسع له ذلك .فقال الشيخ : وكذلك لأبي بكر ، وكذلك لعمر ، وكذلك لعثمان ، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم ؟ قال : نعم .فصرف وجهه إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين، إذا لم يسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا.
فقال الواثق: نعم، لا وسع الله علينا، إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فلا وسع الله علينا.
وبهذه المناظرة كسر الله شوكة المعتزلة فتحول وجه الخليفة عنهم، وما زال مذهبهم في هبوط إلى يومنا هذا، ولنختم بكلمة للعلامة ابن الوزير اليماني، يبين فيها هذا الأصل، قال رحمه الله : " وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فكل ما لم يُبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة إلى اعتقاده، ولا الخوض فيه والجدال، والمراد سواء كان إلى معرفته سبيل [ غير النقل ] أو لا، وسواء كان حقا أو لا، وخصوصا متى أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه، فيكون في إيجابه إيجاب ما لم ينص على وجوبه " . فاستمسك أخي القارئ بمثل هذا الأصل العظيم، واحفظ به دينك فما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته دينا فليس اليوم دين.

4:26 م | 0 التعليقات | واصل القراءة